الثلاثاء، 13 مارس 2012

3 مبدعين يقدمون تنويعات شعرية في اتحاد الكتّاب

3 مبدعين يقدمون تنويعات شعرية في اتحاد الكتّاب

 آخر تحديث:الثلاثاء ,13/03/2012






الشارقة - “الخليج”:











احتضنت قاعة أحمد راشد ثاني في مقر اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة أمسية شعرية، أوّل أمس قرأ خلالها كل من الشاعر محمد راضي، وأحمد النجار، والشاعرة وصفية الشيخ، وقدّمهم فيها الشاعر عبد الكريم يونس .



تناوب الشّعراء الثلاثة في الإلقاء، وكانت البداية مع الشاعرة الفلسطينيّة وصفية الشّيخ، بقصائد من الشعر الوطني والاجتماعي، ذات طابع وجداني عاطفي، ومنها قصيدة مهداة إلى الأم بعنوان “إلى لحن الوفاء . . أمّي”، كما تناولت جراح بلدها فلسطين تحت عنوان “القدس”، وعبّرت الشيخ عن امتنانها وحبّها لدولة الإمارات ومكانتها الخاصّة والمتميّزة في حياتها، في قصيدة تحت عنوان “إلى الإمارات الغالية”، قالت فيها:



إمارات العُربِ سيري إلى الأمام



وارفعي الأعلام بين الأنامْ



دُمتِ صرحاً عالياً لا ينحني



وملاذ العرب يا بيت الكرامْ



أمّا الشّاعر السوري محمد راضي، فكانت قصائده من الشعر العمودي، وممّا ألقاهُ راضي، قصيدة بعنوان “ليلى والذّنْب” وأخرى تحت عنوان “صبابة وصواب” وقصيدة “ستار المسرحيّة” التي يتحدّث فيها عن الحياة وتجاربها ورؤيته لها، وبعض ما جاء في نصه:



هذي الحياة وهذه أوهامها



كم عذّبت قلباً هواهُ ينازعُ



فالحب مهزلة إذا أدركتهُ



أدركت أنّك لا محالة ضائعُ



فمن الحماقة أن تعيش بعالم



منهاجهُ كذب وزور شائعُ



وتعيش أنت بعالم أحلامهُ



صارت تُسامُ كأنّهن بضائعُ



هذه الأبيات أثارت وتر الشعر عند الشاعر عبد الكريم يونس مدير الأمسية، فاستأذن الحضور بمداخلة عبر قصيدة تحت عنوان “نور الوجود”، التي أهداها إلى المرأة بمناسبة يومها العالمي، لكن في النهاية هي موجهة لإنسانة واحدة قد تكون حبيبة أو زوجة حسب قوله، وقال فيها:



تاء الأنوثة كم غنّت على وتري



لحن الغرام وجادت عدّت السحرِ



ولملمت من ضياء الحسن أنْجُمه



وعطّرت في الليالي لمّة السمرِ



تنسلت من ضلوعي حين كوّنها ربي



لتصبح منّي ليّ مدى عمري



فكيف لا أعشقُ الضلع التي خرجت



من خلقتي وغدت في لحظة قدري



وأخذت قصائد الشاعر اليمنيّ أحمد النجّار الطابع الذاتي، وكانت بالنثر ذات القطع القصيرة والمتوسطة، إحداها بعنوان “أرحل بلا ضجيج ولا أثر” وأخرى تجمل فيها بوطنه اليمن وحنينه إليه، أما ختام قصائده فكانت بعنوان “كخيط راعش بالكاد يدركه الهواء”، ويقول في نصها:



“ما بين إغماضة دنيا، وغيبوبة سماءْ/ لمحتك للمرة الأخيرة/ كخرقةٍ مغرورقة/ جسداً مثقوباً مثل فتحات ناي/ كأنما تتسرّب آهاتك كلحن مدو/ يتمنى لو يستجوب عواطف البارود/ في ضمير الرصاصة” .



الجمعة، 9 مارس 2012

د . حمد بن عبدالله القاضي: غازي القصيبي نثر درراً في عالم الكلمة


د . حمد بن عبدالله القاضي: غازي القصيبي نثر درراً في عالم الكلمة

آخر تحديث:الجمعة ,09/03/2012





الشارقة -إبراهيم اليوسف:

احتضنت قاعة أحمد راشد ثاني في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة، مساء أمس الأول، أمسية نقدية، جاءت تحت عنوان “قراءة في جوانب الراحل د . غازي القصيبي الإنسانية، للكاتب السعودي د . حمد بن عبدالله القاضي عضو مجلس الشورى في السعودية، حضرها حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وأعضاء مجلس الإدارة، إضافة إلى ممثلين عن الملحقية الثقافية السعودية في الإمارات، وعدد لافت من الكتاب والإعلاميين .



قدم للأمسية الشاعر طلال سالم، بطريقة مائزة، حيث سلط الضوء على جزء من السيرة الإبداعية للمحاضر، بعد أن أشار على نحو عاجل إلى بعض عوالم الأديب الراحل د . القصيبي، ووصفه أنه كان سفير الكلمة، ونثر درراً في عالم الكلمة .



وأكد المحاضر أنه لم يحتر في حديثه يوماً، كما احتار وهو يرغب في الكتابة عن د . القصيبي رحمه الله، وقال: لقد تساءلت في نفسي: ماذا أكتب؟، وماذا أدع؟، فبعض الرجال تحتار عندما تريد أن تتحدث عنه لوفرة جوانب حياته وعطائه-كما يقول الأديب أحمد حسن الزيات- ولذلك فإنه آثر تناول الجانب الإنساني في حياة وعطاء القصيبي بوصف ذلك-حسب تقديره- مفتاح شخصيته، وبوصف هذا الجانب لم يكن الراحل يتطرق إليه، حديثاً، أو تأليفاً، أو إعلاناً، وتساءل القاضي: لماذا لم يظهر الجانب الإنساني في حياته؟، كي يرى أن الجانب الإنساني هو أهم سمات شخصيته، بل هو مفتاحها، وقال: القصيبي “إنسان” بكل دلالات هذه المفردة وحمولاتها، إنه بالرغم من كل ما أحاط به من شهرة فقد تولى الكثير من المناصب، وصعد المنابر متحدثاً أو محاضراً أو حاصداً للجوائز، إلا أنه ظل إنساناً لا يتغير، ولا يتبدل، إذ لم تشغله كل هذه الأضواء والمناصب والألقاب عن رسالته في الحياة” .



وتحدث د . القاضي عن إنسانية د . القصيبي، وقال: كان يعنى بالعاملين في الدوائر التي يعمل فيها، للدرجة التي كان يتدخل لحل معاناة العاملين في مجال عمله، بشكل شخصي .



الثلاثاء، 6 مارس 2012

أصوات شعرية تدعو إلى التمسك بالعربية



أصوات شعرية تدعو إلى التمسك بالعربية
آخر تحديث:الثلاثاء ,06/03/2012


الشارقة - حسام ميرو:




احتفاء باليوم العالمي لحماية اللغة العربية أقيمت مساء أمس الأول في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة أمسية شعرية، شارك فيها كل من د . أكرم قنبس “سوريا” الذي ألقى بعضاً من قصائده، إضافة إلى إدارته الأمسية، ورجب السيد “مصر”، وعامر الرقيبة “العراق”، وتابعها عدد من الشعراء والمهتمين .
في قصيدة “دمعة الضاد” للشاعر د . قنبس يأتي الوصف في المقام الأول، ويصبح المضمون المباشر هو الأقوى على مستوى النبرة، ويستعيد مكانة اللغة العربية عبر ما هو معروف ومألوف عنها بوصفها لغة القرآن الكريم، ويبدو واضحاً في القصيدة الاتكاء على بعض الأقوال المأثورة، ويدعو الشاعر أبناء العربية إلى التمسك بها، وذلك بعد ما أصابها الكثير في ظل الميل نحو اللغات الأخرى، فيقول:
“لقد شهدت شواهد معجزات



من القرآن يحملها لواها



فقولوا للذي قد رام فيها



هواناً، شاهَ وجهكَ ثم شاها



ألا ثكلتك أمك أي ثكلٍ



إذا لم ترع في ضنكٍ أساها



فيا أبناءها كونوا أباةً



فكم دمعت بقلبي مقلتاها”
أما الشاعر رجب السيد فقد أتت قصائده محملة بشيء من الغنائية يعزوها إلى كونه موسيقياً وملحناً، وفيها الكثير من روح النشيد، وهو ما يبرز على أكثر من مستوى، وتحديداً في بساطة المفردة، ويدعو أيضا إلى تكاتف جميع أبناء اللغة العربية للحفاظ على اللغة مما يتعرض لها من مخاطر، مؤكداً أن هذا الأمر هو مسؤولية جماعية في المقام الأول، ومن القصائد التي ألقاها السيد “صرخة خوف”، و”من وحي المناسبة”، و”يا أهل العربية هبوا”، ويقول فيها:
“يا أهل اللغة العربية



هاكم صوتي بالعربية



صرخة من يخشى أن تمحى



من جوف شعوب عربية



فهلموا نحمي العربية



ونمجد شأن العربية” .
أما الشاعر الرقيبة فقد قرأ عدداً من القصائد التي ركز في بعضها على العلاقة الجدلية بين الفكر واللغة، وإن كان لم يبتعد عن المباشرة في الطرح، حيث أتت القصائد في جانب منها تحمل أبعاداً تفسيرية لأزمة اللغة العربية، والحاجة إلى التجديد المستمر، ومن القصائد التي ألقاها الرقيبة “خيول المعاني” وقال فيها:
“أسرج خيول المعاني واجرِ في خببِ



لا تعجلن فمي يا شعر للغلبِ



حسبي بقاؤك حياً في ضمائرنا



كالشمس في أفقها لم تفنَ أو تشبِ



الخميس، 1 مارس 2012

مثقفون يؤبنون أحمد راشد ثاني في اتحاد الكتاب


صوت شعري متميز وكاتب صاحب رؤية مختلفة


مثقفون يؤبنون أحمد راشد ثاني في اتحاد الكتاب
آخر تحديث:الخميس ,01/03/2012


الشارقة - إبراهيم اليوسف:







احتضنت قاعة “أحمد راشد ثاني” في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة التي أطلق عليها الاتحاد هذا الاسم، تخليداً لذكرى الشاعر الذي رحل مؤخراً، مساء أمس الأول، حفلاً تأبينياً بمناسبة رحيله حضره عدد لافت من الكتاب والشعراء والمسرحيين والإعلاميين بالإضافة إلى أسرة الشاعر الراحل .

في بداية الحفل تم عرض فيلم قصير عن محطات مختلفة في حياة الشاعرالراحل، ورحب خالد البدور مقدم الحفل بالحضور، وتحدث عن ذكرياته مع الشاعر الكبير عندما تعرف إليه في العام ،1980 في أمسية شعرية، واصفاً إياه برفيق الكتابة، وأن طموحه كان غير عادي، وكان متعدد المواهب، إلى أن استقر على كتابة الشعر والبحث والمقال .

وقرأ الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم نصاً نثرياً وجدانياً، ومما جاء فيه: قبيلة الشعر في الإمارات نقصت شاعراً، وسيمفونية “البحار الحزين” فقدت عازفاً مهماً، لذا، فالقبيلة ترفع لواءها الأسود، وتحفر مرثيتها على صخرة البوح، أما السمفونية، فبفقدها أحمد راشد ثاني هي عرجاء، وتكاد ألا تطرب، هكذا يبدو المشهد الشعري والثقافي اليوم في الإمارات، وهكذا نبدو نحن أبناء قبيلة الشعر، كما سمانا الشاعرالصديق سالم بو جمهور “في الإمارات مكسوري الخاطر والوزن” كما جاء عنوان إحدى مجموعات صديقنا الشاعر حبيب الصايغ . وأضاف: وكيف له أن يموت من نثر قصائده في صحراء الناس، وتركها لعناية الغيم والعشق والثورة، كيف له أن يموت من ترك هالته تتلو تراتيل قلبه على كل كرسي جلس عليه يوماً، في مقهى من مقاهي العالم، كيف له أن يموت من ترك خلفه كتاباً أو قصيدة أو فكرة تحيي بعده ما شاء الله أن تحيي من الحس والفكر والإنسانية أو تذكر بها؟

وألقى الزميل مرعي الحليان كلمة تطرق فيها إلى ثلاث محطات في حياة الشاعر إحداها شخصي، والثانية إماراتي يتعلق بحمل وجع الأرض كما قال، والثالثة تتعلق بمنجزه الشخصي، وبين أن المسرحيين يكنون لثاني الاحترام، إذ إنه أسس معهم انطلاقة المسرح، لاسيما في “خورفكان”، حيث له بصماته على مسرح هذا المكان، وتحدث عن مسرحيته “قفص مدغشقر” واصفاً إياها باستثنائية التكنيك .
وقرأ جمال مطر مقاطع من قصائد الشاعر، بصوته، وبطريقة مائزة، شدت الحضور إليها، والقى د . صالح هويدي كلمة شفاهية، بين خلالها أن الحديث عن “أحمد” هو الحديث عن المبدع الحقيقي، والمثقف الحقيقي، مركزاً على مصطلح المثقف الذي يجب ألا يطلق جزافاً، إلا على من هم في مستوى قامة أحمد، ورأى أنه لم يكن مبدعاً يكتب، فحسب، بل مبدعاً يعي رسالته، مدركاً لحدودها، لأنه مثقف عرف الشرط التاريخي الذي يحيط به، ومن هنا فقد كان يذهب إلى كل فن ويعده قضيته الأولى، ورأى أن شعره سيظل صوتاً متفرداً له رائحة خاصة، وأضاف: لاشك في أن أحمد كان ممن أسسوا للحداثة الشعرية مع قلائل من أمثاله، وأخذ على عاتقه قضية الحداثة، وقصيدة النثر، ليفرح بانتصاراتها .

وتحدث عمرأبو سالم كيف التقاه قبل ثلاثين عاماً، في أمسية شعرية في خورفكان، شاركت معهما فيها حمدة خميس، وراح يصف المكان، والبحارة، وجمهورالأمسية المتميزة .

وقرأت حمدة خميس قصيدة بعنوان “ألق الحضور وفداحة الغياب” ومما جاء فيها:



مررت بك



أو مررت بنا



شهاباً عابراً



وأضأتنا



كنا التقينا



عند مفترق الصعب



وعند منعطف النهر



توق أرواحنا



لم تكن نسمة



رقة



زهرة



طائراً



أو مطر



كنت العناصر



في أوج فتنتها . .

وتحدث سالم بوجمهور قائلاً: لا أحب الكتابة في هذه المناسبات، إلا أنني الآن فرح، إلى جانب حزني الشديد، ومن دواعي الفرح أن الشاعر ثاني من هؤلاء الذين ظلوا محافظين على الإمساك بالجمر، إلى آخر لحظة في حيواتهم .

وقال د . إبراهيم الوحش في شهادة له إنه التقاه أكثر من مرة، وكان صوت الموال والحكاية يظهران في قصيدته، لقد عرفته عن قرب مع من عايشتهم وعايشوه من أمثال الهنوف محمد وعادل خزام ويوسف أبو لوز وآخرين
وقدم زكريا أحمد شهادة لافتة، حول إبداعات وكتابات ثاني، من خلال مقاله الأخير الذي نشره قبل رحيله، الذي تناول فيه “صورة شخصية” لسارتر، إلى جانب تناوله لسنمار وقصائد ريتسوس، وغيرذلك مما يبدو على أنه خليط من التناقضات، برع ثاني عادة في تقديم رؤيته من خلالها .



الأربعاء، 22 فبراير 2012

أحمد راشد ثاني

أحمد راشد ثاني
 آخر تحديث:الأربعاء ,22/02/2012

حبيب الصايغ

لا بمناسبة موته، لكن بمناسبة حياته يتحدث أحمد راشد ثاني في الذاكرة كالذاكرة، ناحتاً وكأنه الأبد، مكانه ومكانته . هذا الشاعر تأكيد مستمر لطفولة الشعر، ولنضوج فكرة الشعر، وهو الآن، الآن خصوصاً، يفرض وجوده الخاص وإلحاحه الخاص، ويرتسم طفلاً أو يكاد . شاباً أو يكاد . تعرفت إليه للمرة الأولى نهاية السبعينات، وزمن الإمارات مقبل، والوعد يشير إلى جهة الوعد، كان شاباً في السابعة عشرة على أبعد تقدير، لكن ملامحه ملامح طفل .
هذه الطفولة العارمة لم تفارقه حتى ظهر يوم الإثنين الموافق 20 فبراير/ شباط ،2012 حيث أسكتت الفجأة قلبه الضعيف، الفجأة المستمرة إذا شئتم . وكان أحمد راشد ثاني مريضاً بالقلب، وبالشعر، وبحب إرثه وأهله ووطنه، لكنه لم يشأ أن يحول مرضه في المعنيين الخاص والعام، إلى احتفال أو ضجيج، كما درجت العادة أحياناً، أو كما تعودنا كثيراً؛ أحمد راشد قاوم المرض بفضيلة الصحة، وبفضيلة الحياة، لذلك كان لموته طعم الصدمة، وهو طعم لاذع، مر، وغير مستساغ بسهولة . شخصياً - ومن حق الإنسان أن يعبر عن نفسه كما يريد- لا أستوعب موت أحمد راشد ثاني لا أستوعب أن يصدر اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، نافذته الأولى وبيته الأول، بياناً ينعى فيه، ببالغ الأسى، أحمد راشد ثاني . لا أستوعب أن يتصل بي زميلي وصديقي الدكتور سلمان كاصد، ليخبرني أنه عائد من جنازة أحمد راشد ثاني . لا أستوعب أن أصحو في اليوم التالي على صورته في الصفحات الثقافية، وعلى أخبار من سيرته، من المهد إلى اللحد .

الآن بالتحديد، ينبئ موت الشاعر بقيامة غيره من الشعراء . شخصياً بدأت أستعد، وكأنه أخذ يدي اليسرى معه، يدي التي أكتب بها .

الآن بالتحديد، يختصر موت الشاعر شلالات عذاباته وعذوباته، وفيما ينأى أو يدنو، يرفع في الطريق إلى بيته الأخير، راياته الممزقة وعليها طرف من دعاء الأمهات .
الآن بالتحديد، يقول الشاعر قصيدته التي لم تقل من قبل، التي لا تقال أبداً .
الآن بالتحديد، أستطيع أن ألتقي أحمد راشد ثاني على كيفي، أن أستحضره وكأنه بوصلة أو جهة، أن ألعب معه كما كنا في طفولة غابرة لم تحدث قط . أن أتبادل معه أقداح الحزن والحنين، أن يلعن تاريخي الشعري وألعن قصائده، خصوصاً تلك المكتوبة في مديح الجحيم .
ترى لماذا يجسد موت الشاعر الحقيقة أكثر من غيره، أعني أكثر من موت غيره، والموت هو الموت: صياد ماهر، وحبل من الحيل لا يخفي ابتسامته الماكرة، وهو يلتف على رقاب ضحاياه وقلوبهم؟
كأنما الموت تصديق سيرة يومية من الهذيان، كأنما هو تعب العمر وقد تجمع في الطريق العام أمام بيت الشاعر، أمام بيوته الكثيرة، الشاهقة والخفيضة أمام دكاكين طفولته ومقاهي صباه، أمام مرايا انتصاراته وانكساراته، أمام أراضيه وسماواته، أمام تنهداته وذروات شغفه، أمام فانتازيا انتظاره منذ بطن الأم إلى ازدحام طوابير الحياة، أمام موته اليومي، كل يوم، منذ التمرين الأول على الكلام إلى معاقرة الوهم، أمام أقداره الصامتة أبداً، وكأنها تتناسى، متعمدة، أدوارها المعلنة، أمام اصطفاف انشغالات صغيرة وبقيت صغيرة، أمام ثرياته ونشواته، أمام فوضاه وهي تحاول طمأنته بأن شتاء الألم لن يستطيع في الأخير، التقدم إلى بؤبؤ عينه، ولو خطوة . أمام استعاراته ومحطات ندمه، أمام نكاته المالحة ومواقفه اللاسعة، كأنه منذور لرواية الموت الناقصة والحياة الناقصة .
لن أستوعب موتك يا أحمد راشد ثاني فهذا شأني، حتى لو استوعبت أنت موتك، فهذا شأنك .
ولتكن أدوارنا في اللعبة واضحة، كما منذ عرفتك، وكما منذ لم أعرفك، وكما منذ لن أعرفك أبداً .
لم تتح لي يا صديقي فرصة لأتعرف إليك أكثر، وما إن توقف قلبك حتى استجبت ومت .
تمنيت لو ناديتني حتى أقف إلى جانبك، كنت سآتيك حتى لو أخذني حصان جامح إلى حكمة النسيان، كنت سآتيك مسرعاً حتى لو صدمتني سيارة في الطريق .







الثلاثاء، 21 فبراير 2012

رحيل الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني

دم الشمعة بالقرب من مثواه الأخير


رحيل الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني

آخر تحديث:الثلاثاء ,21/02/2012


الشارقة - “الخليج”:





غيب الموت ظهر أمس الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني عن 50 عاماً في مستشفى خليفة إثر أزمة قلبية مفاجئة، والشاعر الراحل ولد في 1962 في خورفكان وله ثماني مجموعات شعرية، واللافت في المجموعات الشعرية التي كتبها على مدى ربع قرن هو محاكاتها لكثير من تفاصيل تجربته الشخصية بحلوها ومرها، أما المستوى الشعري في هذه المجاميع فيتصاعد طردياً لمصلحة الجملة المختزلة، التي تنأى بنفسها عن الحشو يتضح ذلك في ديوانه الأخير (الفراشة ماء مجفف) وهو عبارة عن قصيدة واحدة ب 61 جملة شعرية مرقمة تفصل بينها مساحات واسعة من البياض، فتظهر الجمل والكلمات كسطور قليلة من كلمات، تدب على صفحة كثيرة البياض .



القريبون من أحمد راشد ثاني يؤكدون انخراطه في اللعبة الشعرية إلى آخرها، ليس بوصفها كتابة جديدة فقط، وإنما أيضا بوصفها ترجمة لحياة ذات نكهة تليق بعالم الشعراء الأصلاء، فرائحة الشعر عنده طازجة كما ينبغي للحظة أن تكون، مفارقة ومدهشة وقابلة للتأويل، وهذا يعني أن حرارة الشعر التي ستظل دافئة من بعده، لن تبخل عليه بقراء جديدين يحملون هم الشعر وينادون بنكهة أخرى تليق بالحياة .



يشار للشاعر الراحل بأنه أحد أعلام الإمارات وكتب إلى جانب الشعر بحوثاً في التراث، كما تتبع حياة شخصيات مؤثرة في تاريخ الإمارات .



كان لطفولته في خورفكان أثرها في شعره حيث تمتاز هذه المدينة بتضاريسها التي تتمدد بين البحر والجبل، ويصف طفولته فيقول عنها “تعرفت إلى أفضل إدمان أصبت به على الإطلاق وتمرنت على أفضل موهبة، أفضل قدرة، أفضل ما تعلمته في الحياة: قراءة الكتب، التفكير مع القراءة، الحياة في القراءة، والموت أيضاً” .



يروي الكثيرون عن أحمد راشد أنه تحدث عن والده الذي كان يعمل في البحر فأهداه أسفاراً تراثية في صغره، سرعان ما اصبحت زاده اليومي، ليكتشف في ما بعد انه منذور للكتابة والكتب .



من مجموعاته الشعرية نذكر: (دم الشمعة) و(يأتي الليل ويأخذني) الذي يصف معاناة الشاعر الوجودية و(هنا اللذة) الذي يزاوج بين عالمي الحب والبحر و(الغيوم في البيت) .



هل كان الحريق الذي شب في بيت الشاعر أحمد راشد ثاني قبل نحو خمسة أشهر بمثابة انذار وفاة، يقينا أن أحمد راشد ثاني الذي توفي بسبب أزمة قلبية ولم يكن يفكر على هذا النحو، بل كانت جوارحه معلقة في طيف قصيدة يراودها حتى تكتمل .



هو إذن في عمق مكيدة الموت، الموت الذي يذيب الضغائن، ويفرغ المتناقضات، ويذيب شحنات الأسى، ويفتت غمامة الحزن، ويكتب فكرته مجردة، ولا تشبه إلا نفسها .











منزله الأول*







منزلك الأول، أين كان في خورفكان؟



أنا ولدت في فريج ملتبس، وهذه عتبة لالتباسات عديدة حدثت فيما بعد، هو فريج جديد، أبي وأمي وبعض الجيران هم أول سكانه، وهو يقع خارج خورفكان القديمة التي أحاطها البرتغاليون بسور، هذا الفريج يقع في الطرف، والأطراف في القرى القديمة تتمثل في أربعة معالم هي: المرعى ومصلى العيد والمقيظ والمقبرة .



أما الالتباس الذي أشرت إليه فيتمثل في أن للفريج الذي ولدت فيه اسمين، الاسم القديم هو “الفصيل”، والاسم الحديث “المديفي”، وهو اسم غامض لا أعرف معناه .



ما ترتيبك بين إخوتك؟



أمي أنجبت طفلاً مات قبلي، وأنجبتني، ثم أنجبت طفلاً مات بعدي، ثم كفت عن الإنجاب إلى الأبد .



هل حدثك الوالد رحمه الله، أين كان يسكن قبل مرحلة فريج “المديفي”، أو أين كان يعيش جدك من جهة والدك؟



أبي غريب في خورفكان، وهذا واحد من الالتباسات، هو فلاسي من دبي، كان يسكن في جزيرة اسمها “نيام”، صارت فارسية الآن، كانت له مزارعه في كنف جدي، وجدي غرق في البحر حسبما سمعت، وصار لي ثلاثة أعمام وعمة تعيش حالياً في دبي، أحد أعمامي كان بحاراً مغنياً، مات في دبي .



وذات مصادفة بحرية دخل أبي خورفكان بحاراً في صحبة نوخذة في المدينة نفسها، أثناء ذلك تزوج أمي، ومن ذلك اليوم تحكمت في حياته، وزوجت أخاه ابنة أختها، وتوطد لها منذ ذلك الحين “استعمارها” لهذين الشخصين المسكينين أبي وعمي .



* مقطع يلقي الضوء على طفولة الشاعر الراحل من كتاب “أول منزل” للزميل عياش يحياوي



اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات ينعى الشاعر الراحل



نعى اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني، وجاء في بيان النعي: “ببالغ الحزن وعميق الأسى، ينعى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ابناً من أبناء الإمارات الذين حملوا لواء الريادة في مجال الأدب، وأديباً من أدبائها الذين رفعوا راية التفرد، وروائياً من رواتها الذين حازوا قصب السبق، ومبدعاً من مبدعيها الذين تشربوا حب وطنهم فأخلصوا له، وحملوه بين حنايا قلوبهم، وتلافيف عقولهم، الأديب الإنسان، أحمد راشد ثاني، رحمه الله وجعل الجنة مثواه، الذي وافته المنية إثر مرض لم يمهله .



ويعبر رئيس وأعضاء مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن خسارة الاتحاد، وخسارة الإمارات لواحد من مؤسسي اتحاد الكتاب الذين أعطوا الكثير، ولم يطلبوا شيئاً، بل ولم ينتظروا شيئاً، وكان من السباقين في السعي نحو رفع راية وطنه في مجالات الأدب والرواية والمسرحية والشعر، وكان شغوفاً بالتجريب والتحديث والإبداع، وصولاً إلى ما يحقق طموحه نحو وطنه وأدب هذا الوطن .



لقد كان أحمد راشد ثاني، رحمه الله، أنموذجاً للأديب الصادق مع نفسه، واحتفظ لنفسه بمكانة فريدة بين أقرانه، واشتغل على مشروعه الثقافي بقدر ما أوتي من جهد، وبكل ما أعطي من موهبة، الأمر الذي سيجعلنا نذكره بالخير ونترحم عليه دائماً .



وإن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وهو يدرك حجم خسارته، وخسارة الساحة الثقافية في الدولة بفقد هذا الأديب المتميز ليؤمن في الوقت نفسه بقضاء الله، ويسلم بحكمته، وبأن كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .



فللفقيد الرحمة، ولأسرته وأحبته ولكتاب وأدباء الإمارات كافة الصبر والسلوان” .



“إنا لله وإنا إليه راجعون”



اتحاد كتاب وأدباء الإمارات



كتّاب إماراتيون: شريك ثقافي مثابر مدفوع بموهبة نقية



أعرب عدد من الشعراء والكتّاب الإماراتيين عن حزنهم على رحيل الشاعر أحمد راشد ثاني مشيرين إلى أهمية مشروعه الثقافي الذي راوح بين الشعر والمسرح والبحث في الثقافة الشعبية .



وقال الشاعر حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات “كأن الذين يحيون شعراء يأبون إلا أن يموتوا بطريقة شعرية أيضاً” .



وأضاف الصايغ “أنا من القلائل الذين سيشعرون الآن بمرارة فقد أحمد راشد ثاني فقد نشأنا معاً وكنت شاهدا على أيامه الأولى في الكتابة منذ أن كنا نصدر الملحق الثقافي في جريدة الفجر الإماراتية الذي كان أول ملحق مختص بالثقافة في حينها، وبالرغم من صغر سنه إلا أنه كان محملا بالوعد والموهبة والإصرار” .



وأضاف الصايغ “في تلك الأيام التي كنت أشغل فيها منصب مدير تحرير الصحيفة وأسسنا معا الملحق الثقافي فيها، وكان أحمد يصغرني سنا، كنت أتابع ما يكتبه وأرى فيه صاحب موهبة حقيقية وواعدة، وبعد ذلك استمر معنا في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وكان عضواً مؤسساً واليوم نشعر بأن لقاءاتنا كأسرة أدبية وثقافية في الإمارات ليست بحجم المأمول، فقبل دقائق من سماع خبر رحيل أحمد كان الصحفي عبده وازن يسألني عنه، ومن المؤلم حقا أن تكون أخبارنا عن بعضنا ليست بالحجم المرغوب، فليس من المحمود أن نصحو فجأة لنعرف أن أحدنا قد رحل عنا، وفقدناه إلى الأبد” .



وقال الصايغ “أنا حزين لأننا فقدنا شاعراً بحجم أحمد راشد ثاني وحزين أيضا لأن المقبل من تجربته لم يأت بعد بالرغم من أن ما أنتجه من شعر مسرح ورواية يعد إضافة مهمة لمشهدنا الثقافي، وكل ذلك النتاج كان مرشحاً أن يكون أكبر لو عاش فترة أطول ولكنه قضاء الله وقدره ونحن نؤمن به” .



وتمنى الصايغ أن تخلّد تجربته لما تمثله من أهمية وحضور، مشيراً إلى أن هذه مهمة لا بد أن يتابعها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات و”سنتصدى لهذه المسؤولية، ونحن كأسرة إماراتية خسرنا اليوم مبدعاً مهماً على مستوى الكتابة والأخلاق والوطنية، وما يسجل لأحمد راشد ثاني أنه أمضى حياته مبدعاً ومخلصاً لثقافته وأدبه ووطنه” .



وقال الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم “لقد فقدنا واحداً ممن شاركنا الهم والموهبة، وكان مثالاً في العمل والخلق والكتابة، وشريكاً ومثابراً ومدفوعاً بموهبة نقية”، وأضاف إبراهيم إن فقد شاعر كأحمد راشد ثاني هو خسارة ليست عادية لنا كشعراء وأسرة أدبية وثقافية، ونسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جنانه .



وقال الفنان محمد المزروعي خسرنا مبدعاً كان على الدوام مشغولاً بالقراءة والثقافة والتراث، وهو واحد من رواد الحراك الأدبي في الإمارات الذين أخلصوا لثقافة الإمارات واشتغلوا على تطوير المفاهيم والأسس التي من شأنها أن ترتقي بمشهدنا الثقافي والأدبي .



وأضاف “عندما نؤرخ الحياة الثقافية، فلابد من الإشارة إلى أن أحمد راشد ثاني هو من أصحاب الريادة الحقيقية في العمل الأدبي” .



وقال الفنان السوداني علي الجاك: أحمد راشد ثاني خدم المشهد الثقافي الإماراتي بإخلاص ووفاء، وكان دقيقاً دائماً في هذا الشأن، وكان دائم البحث عن كل ما يقدم إضافة لهذا المشهد، ورحيله اليوم يشكل لنا خسارة كبرى ولابد أنه ترك لنا قيمة إبداعية لا تنسى .



وقال الشاعر والباحث الجزائري عياش يحياوي “يأتي خبر الموت مثل البرق صاعقاً، مدهشاً، ماحياً المسافة بين اليقين والشك، ومثبتا لحقيقة واحدة، هي انتهاء رحلة حياة إنسان على الأرض . وحين يكون المفقود شاعراً وباحثاً ومسرحياً يتضاعف معنى الموت، ورغم أن الحياة تعبت كثيراً في تدريبي على استيعاب تراجيديا الفقدان إلا أني خيبتها كثيراً، إذ لايزال الموت يشعل في ذاكرتي الحرائق والأسئلة . وها هو خبر رحيل الصديق الشاعر الباحث أحمد راشد ثاني يأتي قاسياً مثل طعنة خنجر صدئ قديم لفداحة الرحيل، فهو شاعر مجدد في النص الشعري الإماراتي، وأهم ناثر على الإطلاق في الثقافة الإماراتية، تتداخل في نصه النثري - وهنا أشير إلى مذكرات طفولته التي نشرها في الملحق الثقافي ب”الخليج” حدة مزاجه الشعري وقدرته على ربط الأفكار والمعاني بطاقته الحيوية المستمدة من قراءاته للمتن الحداثي المسطور، وتتجلى في نثره قدرة عجيبة على السخرية من الحياة وتناقضاتها، وآمل أن يهتم النقاد مستقبلاً بهذه الملكة التي لا تقل عن ملكته الشعرية، يُضاف إلى ذلك أن أحمد راشد ثاني يتسم بصفة معرفية جديرة بالتنبيه إليها هي أنه طارح أسئلة من الطراز العالي في الشأن الثقافي .



بدأ أحمد، رحمة الله عليه، رساما ينقل ملامح الطبيعة في بيئته البحرية والجبلية على خورفكان إلى لوحاته، حتى إن إحدى لوحاته نالت الجائزة الأولى في مسابقة تشكيلية بالمنطقة الشرقية لإمارة الشارقة وهو بعدُ في المرحلة الإعدادية . ولتأثره بحادثة رواها لي في كتاب “أول منزل” ترك الفرشاة والألوان واتجه إلى الشعر، ثم إلى المسرح في المرحلة الجامعية حيث كان من مؤسسي “المسرح الحر” في جامعة الإمارات يوم كان طالباً . وقد ترك الفقيد مسرحيات عديدة ومجموعات شعرية وكتبا بحثية في التراث الشعبي الإماراتي أسهمت في ثراء المكتبة الثقافية والإبداعية المحلية .



منذ فترة قصيرة، هتفت له وسمعت صوته متعباً، لكنه أكد لي أنه بخير وقد بدأ يتعافى، غير أن إرادة الله فوق الجميع . غداً، حين يهترئ حجاب المجايلة ولا تبقى سوى النصوص ستخضر شجرة أحمد راشد ثاني في ذاكرة الأجيال الإماراتية والعربية، وقريباً منها لافتة مكتوب عليها: “هذا رجل مختلف يحتاج إلى الإنصات لمخزون كتاباته” .



وقال الشاعر أحمد المطروشي “قبل شهرين من الآن كنت جالسا مع أحمد راشد ثاني والشاعر أحمد يعقوب حيث تبادلنا الكثير من الحديث الشعري في الساحة الإماراتية والعربية بشكل عام، توقفنا كثيراً عند موضوع ترجمة الشعر الإماراتي إلى الإنجليزية وقد كان لراشد ثاني تعليقاته المثيرة للجدل في هذه الجلسة، يتساءل المطروشي هل كانت هذه العبارات التي نطق بها أحمد خير مثال على حياته الاستثنائية التي لم تكن تقبل أنصاف الحلول في القصيدة التي كان يريدها أحمد ثاني مغايرة تماماً وعلى صورة الحياة في نسغها الشفاف، كما هي عند لحظة الولادة، وكما هي عند يقظة الموت التي هي اليقظة الجريئة المحزنة التي فاجأتنا كثيراً، لكنها برغم خسارة الفقد الكبيرة ستجعلنا أحرص على تذكر قصائده ومعانيها ودلالاتها، “ستبقى هذه القصائد نابضة بالحياة” .



الشاعر خالد الظنحاني وصف الراحل بأوصاف كثيرة، ومثل هذه الشخصية التي تمتع بها الراحل كانت حديث الوسط الشعري في الإمارات فأنت نادراً ما تلتقي مع أحمد راشد ثاني ولا يبادرك بنكتة تلخص مرارة اللحظة وتهز كلماتها أعماق أصدقائه فينبشون في مراميها ودلالاتها .



لقد كان الراحل بحسب خالد الظنحاني ينأى بنفسه عن الشهرة، “وكثيراً ما هاتفته ودعوته ليشارك في أمسية شعرية وكانت إجابته في كل مرة هي الرفض الذي ينبئ عن تصور خاص للحياة التي عاشها على نحو شعري، كما يتفق جميع محبيه” .



وقال الشاعر عبدالله السبب: رحيل أحمد راشد ثاني خسارة فادحة على المستويات كافة الإنسانية والشعرية، علاقتي به تعود إلى عام 1989 وجدت فيه الإنسان الصادق والودود والجريء في الرأي، تميزت أشعاره بالجدة فضلاً عن اهتماماته البحثية وكتاباته الجيدة في المقال النثري، الآن تواجهنا مشكلة العزاء، فآخر بيت لأحمد احترق منذ فترة وجيزة ونحن لا نعرف كيف نقدم واجب العزاء فيه، ولذا أقترح أن يتبنى اتحاد الكتاب هذه الفكرة .



وقال الباحث والشاعر أحمد محمد عبيد: جمعتني بالراحل صداقة عميقة وكنا نجتمع بصورة شبه يومية تقريباً للحديث في شؤون الثقافة المختلفة، أحمد راشد ثاني باحث قلق اهتم بالتراث الشعبي وكان ينوي في الفترة السابقة لرحيله إعداد كتاب عن تاريخ وعادات الطعام في الإمارات .



أخيراً



يسألني عن دوافِعِ الموجِ



وأخبرُهُ عن حذاءِ البحرِ



يسألني عن أسباب السماءِ



وأخبرُه عن قبعةِ القَمرِ



أخيراً صَمَتَ،



فأخذتُ أجمعُ الحصَى



من على شطآنِ الكلامِ



وأضعُهُ في كأس القصيدةِ



أخيراً توقفَ عن رثاء المرآةِ



ونامَ على الماء



كظل وردةٍ



أخيراً شُفيَ من الدّم



أي موجة



يصفونَ لي الصحراءَ



وينسونَ حبةَ رمل



في موجةٍ مازالت تركضُ



على البحرِ



يصفونَ خطواتي الكثيرة



على شاطئ البحر



بينما لا يعرف البحر



في أي موجة غَرِقْت



الطائر الذي أكل



أنهضُ وأرحلُ



عن البيتِ



في البيتْ



أكتبُ موجةً



وعليها ظل غيمةٍ



كان يَظُنها سمكةً



الطائرُ الذي أكلْ



ابن الحياة



لم يكمل السطر الأخير على ورقته البيضاء . .



الجملة الفعلية القصيرة، الجملة الشعرية النقية مثل نقاء بحر خورفكان . . لم تكتمل .

القصيدة التي لم تكن الأخيرة . . لم تكتمل أيضاً .
هكذا رحل الشاعر أحمد راشد ثاني أمس، بعدما خذله جسده، ولم ينفع الطب في إعادة الشاعر إلى الهواء الطلق، وإلى جلوسه الفضيّ على حافة البحر .
رحل أحمد راشد ثاني، وهو يتألق شعراً وحياة ومرحاً حتى في ذروة مرضه .

هذا الرحيل خسارة للمشهد الثقافي في الإمارات، وفي منطقة الخليج العربي . الرحيل الذي ختم ببياض الموت وجلاله على سيرة شاعر كلّه قصيدة .
صباح أحمد راشد شعر . ظهيرته شعر . مساؤه شعر . كتب الشعر الشعبي وأبدع في هذا النوع من الفن القريب من وجدان وذاكرة الناس في الإمارات وفي الخليج العربي .
كتب قصيدة التفعيلة، ثم وجد أن روحه تتحرّر أكثر فأكثر بالخروج على الوزن، فذهب إلى قصيدة النثر .
أحمد راشد ثاني من روّاد قصيدة النثر في الإمارات وفي الخليج العربي . كتبها عن ثقة وعن ثقافة عميقة، وهو القارئ النهم . القارئ المتذوّق لما يقرأ . . هذا التذوّق الرفيع الذي من شأنه أن يعيد إنتاج القراءة في عمل شعري أو في عمل نثري يظهر فيه ذكاء كاتب يعرف من أين يسقط ماء الشعر .
في قصيدة النثر، انفتح أحمد راشد ثاني على نوع من الكتابة يمكن أن يطلق عليها الكتابة الأفقية . إنه تأملي بالدرجة الأولى . غنائيته لا تستولي على شعريته، قليل الإنشاء البلاغي . ولا يذهب إلى الكثير من التوريات والكناية والمجاز . يغرف من الحياة، وبالأحرى، يغرف من ذاكرته ومن طفولته ومن مرجعيات ثقافية محلية، إضافة إلى مرجعيات مشهدية، وأقصد بالمشهدية هنا، تلك الصور، وتلك الحياة، وذلك الولع بالحياة والاحتفاء بها الليل كلّه والنهار كلّه .
لذلك، فمن الطبيعي أن نلاحظ، وهو بكل هذه المحمولات الحياتية والثقافية، كيف أنه كان غزير الإنتاج الشعري في السنوات الأخيرة، هذا النتاج الذي أشاد به شاعر كبير مثل أنسي الحاج .
بين الشعر والحياة، ذهب أحمد راشد ثاني إلى اهتمام آخر، وبالولع نفسه المعروف عنه تجاه الشعر، فهو عاشق كبير للمسرح، كتب للمسرح، وغالبية العناصر المسرحية الإماراتية والخليجية تعرفه عن كثب . تعرف ثقافته المسرحية وتعرف لغته المسرحية . . تلك اللغة المشدودة إلى شعريته الغنية بكل مفردات الحياة المرحة والمملوءة بالمسرّات .

لم يكتف بكل ذلك . .
ذهب أحمد راشد ثاني في السنوات الأخيرة إلى البحث بل السفر في الثقافة الشعبية الإماراتية والتراث الشعبي الإماراتي، لقد عمل مسحاً ميدانياً واسعاً في هذا الحقل، وأغنى المكتبة الإماراتية بعناوين محلية حيوية يعود إليها كل من يريد أن يفهم ويدرك جيداً ثقافة المكان .


أحمد راشد أكثر من ذلك . . إنه أولاً وأخيراً ابن الحياة . . حياته التي تذرف عليه دمعة اليوم .


المحرر الثقافي


دركوشي يقارب عناصر الصورة الفنية في "موانئ النورس"

دركوشي يقارب عناصر الصورة الفنية في "موانئ النورس"

آخر تحديث:الثلاثاء ,21/02/2012

الشارقة - حسام ميرو:



قارب الشاعر ظافر دركوشي “الصورة الفنية” في مجموعة “موانئ النورس” للشاعر عبدالرزاق الدرباس، وجاء ذلك خلال جلسة نقدية أقيمت مساء أمس الأول في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة، وأدارها نصر بدوان، وقرأ فيها الدرباس بعضاً من قصائده، وتابعها عدد من الشعراء والمهتمين .



بداية ألقى الدرباس بعض المقاطع الشعرية القصيرة التي امتازت بالتكثيف على مستوى المعنى، وجاءت تحت عنوان “تقاسيم على حرف الحاء”، ومنها “حواء”، و”حمص”، و”حناء”، و”حرية”، كما قرأ قصيدة بعنوان “وجه دمشقي”، ويقول فيها:



“مطرٌ من الكلمات ينقرُ في سواد الليلِ شباك الورق



ويسيل عبر جداول البوح الحزين



وجهٌ دمشقيٌ تراءى من وراء الروح



يوقظ في مخيلتي . .



طموحات السنين” .



أما الدراسة النقدية التي قدمها دركوشي عن مجموعة “موانئ النورس” للدرباس فقد ذكر فيها البحور الشعرية التي كتبت عليها قصائد هذه المجموعة، واعتبر أن الصورة الشعرية لدى الدرباس هي “أكثر ما يلفت الانتباه، وذلك لكثرتها وتنوعها”، وهو ما دلل عليه بكثرة التشبيهات والاستعارات داخل القصيدة، إضافة إلى تنوع المواضيع وتعدد الأغراض “من غزل وشوق، ورثاء، وحنين للوطن، إضافة إلى قصائد ساخرة، وأخرى ثائرة” .



واعتبر دركوشي أن الصورة الفنية في قصائد التفعيلة لدى الدرباس أكثر عمقاً من الصورة الفنية في قصائده العمودية، إضافة إلى أن “كثرة الكلمات وكثافتها في سطور قصائد التفعيلة أفقياً وعمودياً أعطى هذه القصائد ميزة إيجابية، وتمثلت بتدفق الصور والتفعيلات التي ربطت نهاية السطر السابق مع بداية السطر اللاحق بلحن موسيقي متتابع يطرب له متذوقو الموسيقا الشعرية” . كما ركز دركوشي على العلاقة بين الغربة والوطن في قصائد الدرباس، وعزا ذلك إلى اغتراب الشاعر عن بلده، ورأى تلك العلاقة تنعكس في شعرالدرباس انطلاقاً من أسماء القصائد نفسها، مثل “حقائب”، و”وردة المنافي”، و”رائحة الفراغ”، وغيرها، واعتبر أن “كشف الحقيقة المنبثقة من الواقع المعاش والتنفيس الشخصي لنفسية الشاعر هو من أهم النقاط التي أسهمت في بناء الحالة التصويرية، وإظهارها كتابة بعد أن كانت لوحة على أرض الواقع” .